محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
15
كشف الأسرار النورانية القرآنية
بسم اللّه الرحمن الرحيم الباب الأول : في كيفية تكون الحيوانات وما يتعلق بذلك اعلم أن هذا الباب من أعظم وأعجب الآيات الدالة على وجود الصانع القادر الحكيم الباهر ، فعلى العاقل أن يتأمل فيما ذكرنا فيه ، فألق نحو ما أقول السمعا * واجمع حواشي الكلمات جمعا « المقالة الأولى » في بيان قوله تعالى عز وجل : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 ) [ الرّوم : الآية 20 ] وفيه مسائل : المسألة الأولى : كيفية خلق آدم وبيان خلقنا منه وهي أن اللّه تعالى خلق آدم من تراب ، وخلقنا منه ، فكيف قال : خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الرّوم : الآية 20 ] . فنقول : الجواب عنه من وجهين : ( أحدهما ) : ما قيل : إن المراد من قوله : خَلَقَكُمْ [ البقرة : الآية 21 ] . أنه خلق أصلكم . ( الثاني ) : إن كل بشر مخلوق من تراب ، أما آدم فظاهر وأما نحن فلأنا خلقنا من نطفة ، والنطفة متولدة من الدم بواسطة الأنثيين ، والدم متكون من المادة اللبنية ، أي اللينفاوية الناشئة عن « الكيلوس » المتكون من « الكيموس » الناتج عن تناول الأغذية في المعدة ، والأغذية من التراب والماء . المسألة الثانية : في خلق آدم من ماء ومن ماء مهين ومن تراب وكيفية الجمع بينهما المسألة الثانية : فإن قيل : قال تعالى في موضع آخر : خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً [ الفرقان : الآية 54 ] . وقال في موضع آخر : أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 20 ) [ المرسلات : الآية 20 ] . وهاهنا قال : مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : الآية 59 ] . فكيف الجمع ؟ قلنا : أما على الجواب الأول ، فالسؤال زائل ، فإن المراد منه آدم ، وأما على الثاني فنقول : ما قاله هنا هو أصل أوّل ، وما قاله في ذلك الموضع هو أصل ثان ؛ لأن ذلك التراب الذي صار غذاء يصير مائعا وهو المني ، ثم ينعقد ويتكون بخلق اللّه تعالى منه إنسانا ، أو نقول : الإنسان له أصلان ظاهران وهما الماء والتراب ، فإن التراب لا ينبت إلا بالماء ، ففي النبات الذي هو أصل غذاء